منذ فجـر التاريخ لـم تكـن الخريطة مجرد صـورة للأرض أو لجزء من الأرض، بل هي أداة سلطة ومعرفة وخداع في آن واحد،فمنذ أن خط الإنسان أولى رسومه على جدران الكهوف، وهو يحاول أن يختزل العالم في خطوط والوان، ويجعـل مـن الورق والجلـد والبردي انعكاسا لمساحات شاسعة من اليابسة والمحيطات. غير أن الخرائط لم تكن يومًا محايدة أوبريئة: فهي لم تكتف بوصف المكان، بل صنعت له معنى جديدا، وأعادت تشكيل الوعي
الجمعي للناس. كانت الخريطة أداة سلطة ومعرفة وخداع، فهـي ليست مرآة محايدة تعكس الواقع كما هو، بل نص بصري يحمـل رؤية مـن صنعها، يضخم ما يريد ويخفي مالا يريد، ولقد خدمت الخرائط الملوك والإمبراطوريات كما خدمت التجار والرحالة والجيوش، فبها زيَفت حدود، وبها تَبررغزو، وبها اختلقت أساطيرعن أراض مجهولة في أطراف المحيط، وبها أقصيت شعوب عن تاريخها أوصغرت حتى كادت تختفي، فالخريطة ليست انعكاسًا موضوعيًا للعالـم، بل نص بصـري محمل بالمصالح والأيديولوجيات وأحيانا بالأكاذيب. هذا الكتـاب هـو محاولة لقراءة التاريخ مـن زاويـة مختلفة. مـن خـلال الخرائـط التي غيـرت مسار الشعوب، وادـرت في القرارات الكبـرى، بل
وخدعت العالم كله في كثيرمن الأحيان