فى تاريخ الأمم لحظات سوداء، تنبثق مـن أعماق الظلمات، تصنعها جماعات تخلت عن الفطرة، وتجردت مـن الإنسانية، وسارت في دروب البغي الطغيان. وبين صفحات التاري الإسلامي، يبرز اسم القرامطة كوصمة عار لا يمحوهـا الزمن، كجرح غائـر في ذاكرة الأمة، ارتكبوا من الجرائـم ما ستعصى على العقل تقبله، وبلغوا من الفظاعة مبلغا لم يبلغه غیرهم.
فهم قتل الحجيج ولصوص الحرم، المعتدون على قدسية البيت الحرام هكذا عرفهم التاريخ، وهكذا ستبقى صورتهم، محفورة في وجدان المسلمين، شاهدة على وحشي لا تعـرف حرمـة، ولا تفـرق بين طائع ومجرم، بين راکع وساجد، بين شيخ وعجوز، بين امرأة ورضيع.
كيف تجرأ هؤلاء على مكة، قلب الإسلام، وبيت الله الحرام، ومهوى أفئدة المؤمنين؟ كيف سولت لهم أنفسهم ذبـح الحجيج في ساحات الحرم: وسرقة الحجر الأسود، وادعاء أن الدين عندهم، وأنهم رسل العدل والمساواة؟
في هذا الكتاب، نغـوص في أعماق تلك الحقبة الدامية، نبحث في أصول الفكر القرمطي، ونكشف كيف نشأت هذه الحركة يفي الظلام، وكيف توسعت وكيف امتزجت شعاراتها بالموت والخراب